الناشطية الفنية والسياسة الساخرة من أجل التغيير

حزب الحزب الألماني ومركز الجمال السياسي نموذجاً

فرضت الحالة السورية شكلاً من الأداء السياسي التقليدي والجامد لشدة وطأتها، ولكنها في الوقت عينه شهدت حركةً فنيةً وتعبيرية آخذه في التوسع، بالرغم من محدودية العمل حتى هذه اللحظة ضمن سياق الحرب والنزاع، إلا أنّ ذروتها كانت في أيام الحراك السلمي عام 2011، حيث ارتبطت العديد من الأنشطة اللاعنفية التي مارسها السوريون مع العمل الإبداعي.

تطرح نسوة-الفصل الأول-في بحثها عن دعم قيادات نسائية في السياسة، عدداً من الآليات جديدة للتعامل مع السياسة بالنسبة للوضع السوري، باستغلال الخبرات التي تحملها النساء المشاركات والقائمات على المشروع في المجالات الإبداعية ومجالات الشأن العام، لتقدم تساؤلها حول إمكانية استخدام العمل الإبداعي والفني لإيصال الرسائل السياسية من قبل الناشطين، والقدرة على استخدام الكوميديا السياسية لإحداث شكل من أشكال التغيير ضمن المشهد الراهن.

وبهدف فهم الأشكال الممكن العمل عليها، استضافت نسوة-الفصل الأول-في جلستها الثانية نموذجين فاعلين من المانيا، الأول وهو حزب الحزب الألماني، وهو حزب ساخر وتهكمي استطاع الوصول إلى شريحة كبيرة من الناس وصولاً إلى مقعد في البرلمان الأوروبي، أما النموذج الثاني فهو مركز الجمال السياسي في ألمانيا، وهم مجموعة من الناشطين الذين يعتمدون الأفعال الفنية الصادمة لإيصال رسائلهم السياسية والعمل على التغيير من خلالها.

حزب الحزب الألماني:

استضافت نسوة ماري جيسلر، رئيسة فرع حزب الحزب في منطقة تمبلهوف في برلين، والتي استعرضت نشأة الحزب وتطوره إلى اليوم، بما في ذلك انتقاله من حالة النقد والسخرية إلى حالة أكثر سياسية.

وقد تأسس حزب الحزب في عام 2004 من قبل رؤساء تحرير مجلة تيتانيك الساخرة بهدف توظيف طرق جديدة للوصول إلى السلطة السياسية والتي استطاع تحقيقها في عام 2014 لأول مرة بحصوله على 3% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأوروبية.

وخصصت السيد جيسلر جزءاً كبيراً من الجلسة لشرح آليات الضغط والتغيير التي يمكن استخدامها عن طريق الكوميديا والتهكم، وحول هذا الأمر تقول: “إن كانت العواطف تشكل اللبنة الأساسية في جذب اهتمام الشارع، فإن الفاكهة هي الاستراتيجية التي نتبعها لاستهداف هذه العواطف”، وتضيف :”تلعب العواطف دوراً كبيراً في التشكيل السياسي وبالأخص الخوف، وهو ما تستغله الأحزاب المتطرفة، في الوقت الذي نفضل فيه العمل على استراتيجية الفكاهة كمؤثر عاطفي، وبالتالي تراه يحمل تأثيراً أكبر في التغيير”، مشيرةً إلى أن الضحك يثبط الحركة مؤدياً للاسترخاء، ما يؤدي بدوره إلى خلق مسافة بين الشخص والموضوع، ليتم استغلال الفكاهة كمكون عاطفي عوضاً عن الخوف في سبيل التغيير، عن طريق خلق أطر جديدة تكسر التأطير النمطي للقضايا وتغيير شكل العواطف السائدة.

مركز الجمال السياسي:

استعرض ياسر المأمون وهو مهندس معماري وناشط سياسي في برلين تجربة مركز الجمال السياسي في المانيا، والذي يضم عدداً من الناشطين القادمين من اختصاصاتٍ وخلفياتٍ مختلفة، لتحقيق أهداف سياسية محددة، واستخدام الشارع لنشر الأفكار.

ويصف أعضاء مركز الجمال السياسي عملهم بالإنسانية العدوانية، aggressive humanist، مقدمين أنفسهم بمظهرٍ موحد، وهو الوجوه المغطاة بالشحار والتي تمثل الآمال المحترقة لأوروبا، وبعكس حزب الحزب، لا يعمل مركز الجمال السياسي على مبدأ السخرية أو التهكم، بل تراه يعتمد أدوات الأداء الفني-السياسي القائم على الأفعال الصادمة.

واكتسب المركز شهرةً واسعة في عام 2016 بسبب ردة فعله إزاء السياسات التي اتبعتها الحكومة الألمانية للحد من تدفق اللاجئين، حيث قدموا مشروع افترس لاجئاً، والذي اعتمد على محاكاة الحلبات الرومانية التي يقرر فيها الجمهور حياة أم موت المصارعين بإفلات النمور عليهم، ما أثار الكثير من الجدل في الشارع الألماني العام والسياسي.

وانتهت الجلسة بنقاش مفتوح حول الآليات التطبيقية والاستراتيجية التي من الممكن للنساء القياديات اتباعها في تحريك الرأي العام، وكسب التأييد، ومدى فاعلية مثل هذه الأفعال في السياق السوري المعقد والمليء بالعنف والعجز السياسي، وإمكانية الاستفادة من التجارب الأخرى وإعادة قولبتها بما يتناسب مع الجمهور المحلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *