كورال حنين.. حارسات الذاكرة

الحضور في القاعة ينتظر أن يصدح صوت الكورال، وأنا أرقب الأسود المكلل بالأخضر، أن يزهر الفضاء الذي يلف القاعة.
في الحقيقة لم أكن لأتوقع أن يكون الحضور بهذا العطش لقطرة مما ينعش ذاكرته. إذ تماوجت الأغنيات بفطريتها، وراحت المغنيات يقذفن بحبق الأغاني في القاعة. حبق مرتب، على شكل ضمم، في كل ضمة رائحة زيتون، أو فل، أو ياسمين، أو جوري، أو أرض ضمخت للتو بمطر أيلول، بل صنعن خبزا برائحة القمح البكر.
وهكذا جاءت الأغنيات مغلفة بعقل عارف لا يترك لنا التخمين، بل يلفنا بحقيقة تقول: إن مشروع كورال حنين الذي ينطلق ببداياته يحبل بالكثير. وهكذا كان أمر كورال حنين برلين المولود البكر للكورال الذي تشكل بداية في غازي عينتاب.
غناء الحنينيات استقبل بتفاعل من في القاعة، وحدهم من لا ينتمون إلى الجغرافية السورية، أو العربية، يتفاعلون بطريقة تشي بالاندهاش من الحضور الذي راح يدرج رويدا رويدا ليصير جزءا من الكورال. ولا أعرف هل كان الحضور يستمع إلى ذاكرته؟

غنيات الكورال توزعت على الأغنيات الشعبية السورية، بمختلف إثنياتها، ما بين مردنلي وفراتي وساحلي وشامي وحلبي ودرزي، إلى آخر ما هنالك من ألوان شعبية على امتداد سورية حرصت على متابعتها من خلال حفلات الكورال المتعددة.
إذاً هي نوع من لملمة الذاكرة، قبل أن تأكلها المنافي. وهي لا شك مشروع بتنوع المغنيات، وتنوع أعمارهن، سوف يتوالد، ولن يترك هدفه الثقافي أن ينحسر عند شريحة ما، بل سيتجاوز هذا المشروع، كل المقاربات التي تريد أن تصنع من الأغنية الشعبية احتفالا كرنفاليا مناسباتيا لسلطة ما، لتصبح هذه الأغنية صحبة الكورال، حالة تصهر جميع التشظيات الهوياتية للأغنية الشعبية السورية، بل سأكون أكثر جرأة وأقول: الأغنية الشعبية لبلاد الشام، بكل جغرافيتها، فيما يمكن لنا تسميته: “إرادة قوة تصنع حقيقة لا تضيعها الأيديولوجيا”.

“أغنيات الكورال توزعت على الأغنيات الشعبية السورية، بمختلف إثنياتها، ما بين مردنلي وفراتي وساحلي وشامي وحلبي ودرزي،”

كورال حنين وفكرته التي انطلقت في غازي عينتاب سنة 2015 أرادت للنساء دوراً لم يلعبنه من قبل، أرادت لهن أن يكن حارسات للذاكرة السورية، بتجليها الموسيقي والغنائي التراثي. وقد استطاع الكورال أن يبدأ بتشييد حقيقة جمالية في المنفى، تناهض ببرامجها كل أشكال القمع والاقتلاع، وتنثر عبق الهويات التي شكلت معمار الشخصية السورية. على أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيبقى الكورال عند فطريته في العمل والغناء؟ وإن بقي كذلك إلى متى يمكنه الاستمرار؟

تواصلت مع صاحبة المشروع السيدة رجاء بنوت، لأجد أنها قد شكلت من مغنيات الكورال مجموعة على الفضاء السيبيري. وما فتئت هؤلاء النسوة السوريات يتفاعلن، ويبحثن عن السبل التي من شأنها أن تترك للعلم والمعرفة طريقا يستطعن من خلاله تطوير المشروع. وعلمت أن الكورال قد وضع برامجه للتدريب والتطوير. وما كان مني إلا الذهاب إلى حيث ورشاتهن، لألفي أن الأعمار صارت أكثر تنوعا، وأن المغنيات ينتمين إلى جغرافيا سورية متنوعة.
على شكل حلقة توزعن، وغير بعيد جلست الفتيات العالمات بالموسيقى وشؤونها. للحظة أحسست أن هاته النسوة، أقصد مغنيات الكورال، قد كورن الخارطة السورية، بل خارطة بلاد الشام في حجرهن، وأن الفتيات العالمات بشأن الموسيقى كن يرتقن ما في حجر النساء، ليصنعن زمناً واحداً لكل الأجيال، هو زمن من جمال وغناء، ويخطن الهويات التي دأبت بعض الجهات إلى زرع الكراهية بينها.
في مكان التدريب كان فيض من حب. وعلى إيقاع الصفقات التي من شأنها أن تذيب كل صقيع المنفى، شاع الدفء في المكان رغم برودة الجو. واشتغلت الفرقة الموسيقية المرافقة للكورال في برلين، من قانون، وكمان وإيقاع وتدريب الصوت، على صياغة خطاب فني يتجاوز اللحظة العابرة، وحالة العجز التي يمكن أن يصنعها المنفى، وتمزيق الإثنيات والهويات بفعل الكراهية المصنعة كما أسلفت، وتحويل كل ذلك وبالتعاون مع المغنيات ومع معدات البرامج إلى ما يتجاوز كل ما من شأنه أن يكبل الموروث في لحظته التي انطلق فيها، ليتحول على أيديهن إلى موروث غنائي يأخذ صفة الديمومة بكل دلالاته الخطابية، والسوسيولوجية، هذا الموروث الذي شكل الوعاء الثقافي للمجتمع، واستطعن أن يجعلن من مشروعهن ما يمكننا أن ندعوه: الانتصار للخير وقتل الشرور وهيمنتها.
رغم الحمولة الدلالية التي أراها في كورال الحنينيات، إلا أني أتساءل: إلى أي مدى تستطيع ما يمكننا تسميتها بشبكة حارسات الذاكرة، وفي جغرافية أنشطتها، أن تجعل من هؤلاء النسوة اللاتي طالما كن على هامش السلطات التي تشكلت عبر عقود، بفعل السلطان الديني أو المذهبي أو الأيديولوجي، أداة مرفعية، ترتقي بالواقع، بهدف الانتصار للحقيقة التي ترتبط أولا وآخراً بالإنسان. وترحيل أنسنته بعيدا عن الجندرة من الهامش إلى المتن؟

وإذا ما تتبعنا مسار الحنينيات، والبرامج التي ابتدعنها، سنلمس أن الوعي قد كان ديدن المشروع. وتجلى ذلك في إطار اختيار البرامج، التي طالما نبضت بالمعرفة.
ربما أجانب الصواب إن قلت: إن مشروع كورال حنين انطلاقا من الفكرة إلى

“كورال حنين يمثل نوعاً من التوازن للذات السورية، في إطار أقطابها الهوياتية، وفي زمن فلت به العقل من عقاله، بحيث أصبحت الذات بمواجهة الذات”

التجسيد هو عبارة عن محاولة للملمة الكيانات المضطربة. وربما العمل على تجسيد الفكرة في أكثر من مكان في المنفى، تعمل على البرنامج الغنائي عينه، بحيث تم ولادة حنينيات في دورتموند، وآخر في تورنتو في كندا، وثالث في كوتبس الألمانية، وكورال في فنلندا بينما استمر كورال حنين في غازي عينتاب الذي كان البذرة التي أنتجت كل الولادات اللاحقة، ويبقى كورال حنين برلين هو الكورال المركزي الذي يلعب دور القلب في هذه الشبكة من الحنينيات السوريات عبر العالم. وكأنا بهذه الفرق في منافي السوريين كانت تسير باحثة عن مرفأ لخلاص ما من الانفعال، والسعي إلى السمو الذي يمكن من خلاله تنشيط جزء من القدرات والطاقات والمواهب الفاعلة لتحقيق أنسنة عليا.
ما الشغل على شبكة لحارسات الذاكرة في جغرافيا المنفى إلا سعيا لا يعرف كللا لانتشال الهويات من بئر القمع والكبت، لتصدح الحقيقة عالية:
هذا نحن الحنينيات، نفتح الدرب للأنسنة، لكي تتفتح وتتجلى بنكهة الحب، وقوة الروح والذاكرة وتتحدى كل أشكال التمزق. هذا نحن الحنينيات نغزل بشغف ذواكرنا، لنواجه عالما مدججا بالحرب والموت.

“رغم الحمولة الدلالية التي أراها في كورال الحنينيات، إلا أني أتساءل: إلى أي مدى تستطيع ما يمكننا تسميتها بشبكة حارسات الذاكرة،”

لذا قد يكون كورال حنين يمثل نوعاً من التوازن للذات السورية، في إطار أقطابها الهوياتية، وفي زمن فلت به العقل من عقاله، بحيث أصبحت الذات بمواجهة الذات، والتي قد تصل إلى عتبة الفصام أحيانا، بسبب الاشتراطات العديدة التي تجزئ الكل إلى عتبات مخيفة، ليحكم العقل التحتي فيها، وهو بمثابة يقظة، تقودنا إلى إدراك المعنى الروحي للحياة، في زمن بهت فيه المعنى الإنساني، وتبعثرت الروابط الإنسانية كذرات غبار. وربما كان ثمة هدف مركزي لانطلاق فكرة الكورال يمكن تكثيفها بالقول: “نعم نستطيع العيش مع بعضنا بسلام”.

المقالة الأصلية نشرت على موقع ضفة ثالثة
https://diffah.alaraby.co.uk/diffah/arts/2020/3/28/%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%84-%D8%AD%D9%86%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9

نعمة خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *